السيد عباس علي الموسوي

34

شرح نهج البلاغة

عن رغباتها المحرمة فقد ورد عن النبي أنه بعث سرية فلما رجعوا قال : مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر ، فقيل : يا رسول اللّه ما الجهاد الأكبر قال : جهاد النفس . وورد عن الإمام الصادق ( ع ) : من ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهى وإذا غضب وإذا رضي حرم اللّه جسده على النار . يجب على المسلم أن يكسر نفسه ويمنعها لأنه متى كسرها امتنعت ، أن يكسر هذه النفس عن الشهوات فربما اشتهت أمرا محرما وكثيرا ما تشتهي فيردعها المسلم عن الإقدام على ذلك متذكرا أن وراءها غضب اللّه وعذابه . . . إنه عليه السلام يقول له : كف نفسك عندما تجمح إلى شهواتها ومآربها فإنها تأمر بالسوء إلا للذين رحمهم اللّه من النبيين والمرسلين والصالحين . ( ثم اعلم يا مالك ، أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك ، من عدل وجور ، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، وإنما يستدل على الصالحين بما يجري اللّه لهم على ألسن عباده ) إن الإمام هنا يريد أن يلفت نظر مالك إلى هذا البلد الذي ولاه عليه - وإلى كل بلد - كما يريد أن يعيده إلى نفسه قبل بضع سنوات ، عندما كان فردا من الرعية ، ويذكره بشعوره الذي كان يخالجه اتجاه الولاة . . . إنه يريد أن يقول لمالك : إنني قد وجهتك إلى بلاد قد تداول عليها الجور والظلم ، وهذا التاريخ ينقل سيرة أولئك الذين تولوا عليها ، فهل يمكن للوالي أن يختار أحد الطريقين فيسلك أيهما شاء ، أو أنه يتعين عليه الأخذ بالعدل والعمل بالمساواة والسير بالحق ، إنه طريق واحد يريده الإسلام من الوالي وتريده الرعية أيضا إنه العدل ، والعدل فقط ، وأقوى دليل على هذا التعيين هو أنك كنت فردا من الرعية ، كنت في الكوفة تعيش مع الولاة وتطمح نفسك إليك أن يسيروا بالعدل والهدى ، إنك يا مالك قد تحركت في وجه الظلم والانحراف فكيف تمارسه الآن عندما أتتك الدنيا وأصبحت في مركز المسؤولية والولاية . . . بل يجب عليك أن تعمل مع الرعية ما كنت تتمنى أن يعمله الولاة معك عندما كنت رعية لهم . . . ثم إن الإمام يوضح أن ألسن الصالحين وحديثهم في حق إنسان يدلل على صلاحه وإحسانه فإنهم لا يتكلمون إلا بما يرون فلذا يكون حديثهم عن معرفة ويقين لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه فإن صلاحهم يمنعهم عن ذلك . . .